محمد متولي الشعراوي

5959

تفسير الشعراوى

مستساغة ، أما إن قطفتها بعد نضجها فأنت تستمتع بطعمها ، ثم تأخذ منها البذرة لتعيد زراعتها ، وتضمن بقاء النوع ، بل إن الثمرة تسقط من على الشجرة حين تنضج وكأنها تنادى من يأكلها . وكذلك الإنسان حين يبلغ ، أي : يصبح قادرا على أن ينجب غيره ، فيكلّفه اللّه بعد ذلك بالتكاليف الإيمانية ؛ لأنه لو كلّفه قبل ذلك « 1 » ثم طرأت عليه مشاكل المراهقة ؛ فقد لا يستطيع أن يتحمل التكليف . ولذلك شاء الحق سبحانه أن يخلق من عدم ، وأن يربّى حتى يكتمل الإنسان ، ثم حدّد التكليف من لحظة البلوغ ، ووضع شرط اكتمال العقل والرشد ، وألا توجد آفة أو جنون . ولا أقوى من اللّه سبحانه يمكن أن يكلّف لتفعل غير ما يريد اللّه ؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يكتمل للإنسان الرشد ساعة التكليف ، أما المجنون فلم يكلفه اللّه سبحانه ، وكذلك يسقط التكليف عن المكره ؛ لأن التكليف في مضمونه هو اختيار بين البدائل ، وهذه منتهى العدالة في التشريع . وأنت حين تستقبل التكليف عليك ألا تنظر إلى ما تأخذه منك العبادات ، لأنها لا تأخذ من حريتك ، بل تحترم أنت حرية الآخرين ، ويحترمون هم حريتك ، فإن حرّم عليك أن تسرق ، فهو سبحانه قد حماك بأن حرّم على جميع الخلق أن يسرقوا منك « 2 » .

--> ( 1 ) لما استطاع القيام بما كلف به لأنه ليس بالغا ؛ ولذلك كان التكليف مصاحبا للبلوغ ؛ ليكون هناك توازن تربوى يروض النفس إلى مرادات اللّه ، ولو قام الصبى بالتكاليف فله ثواب . ( 2 ) عن جابر بن عبد اللّه قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » أخرجه مسلم في صحيحه ( 41 ) فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السلامة من الإيذاء سواء باللسان أو اليد علامة على حسن إسلام العبد .